توقعات ساكسو بنك: سياسة ترامب تعيد تشكيل النظام العالمي بوتيرة متسارعة

 

جون هاردي، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي في ساكسو بنك

يكاد يكون من المستحيل استشراف التطورات لربع سنة واحد قادم، في ظل مشهد عالمي يشهد تفككاً غير مسبوق للنظام العالمي القديم، وبزوغ نظام عالمي جديد، في تحول تاريخي يندر حدوثه.

إن التساؤلات الجوهرية طويلة الأمد واضحة المعالم، ولكن الإجابات عليها لا تزال بعيدة المنال. هل يمكن لنهج ترامب القائم على الصفقات، حتى مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وأهدافه بعيدة المدى المتمثلة في إعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية، مع الحفاظ على استقرار الدولار وأسواق الدين الأمريكية، أن يحقق النجاح المنشود؟ وهل تمتلك أوروبا فرصة حقيقية في ظل تمسكها بأهمية المؤسسات متعددة الأطراف، بينما تسعى جاهدة لحشد القوة الصلبة للحفاظ على مكانتها رغم التحديات الديموغرافية الهائلة وعبء دولة الرفاه ذات الأنظمة المفرطة والتكاليف الباهظة؟ ثم هناك الصين، التي تعاني اقتصادياً بشدة من عقدين من الإفراط في الاستثمار المحلي في القدرات الإنتاجية والقطاع العقاري. غير أن الصين أصبحت الآن قوة لا يستهان بها، عسكرياً، وبشكل أخص، صناعياً. كيف يمكن للصين أن تعيد ابتكار نموذجها الاقتصادي وتواصل مسار النمو، في وقتٍ يتراجع فيه بسرعة النظام العالمي القديم الذي كان محركاً لنموذجها التجاري (المركنتيلي)؟

ولكن، لن نتوصل إلى إجابات لهذه التساؤلات المصيرية خلال الربع القادم، أو حتى العام المقبل. ومع ذلك، بدأت تتبلور ملامح توجهات رئيسية قد تقودنا في نهاية المطاف إلى تلك الإجابات.

السياسة الأمريكية في عهد ترامب: مقاربة شاملة ومتزامنة.

تعد المخاطر جسيمة في ظل تراجع الولايات المتحدة عن دورها في الحفاظ على النظام العالمي القديم. لقد كان ذلك النظام قائماً على هيمنة أمريكية بحكم الأمر الواقع، تعمل تحت غطاء المؤسسات متعددة الأطراف، مع قيام الدولار بدور العملة العالمية للاحتياطيات والمبادلات التجارية. هذا الدور المحوري للدولار عالمياً أفضى إلى تضخم قيمته، مما فاقم العجز التجاري الأمريكي الهائل وساهم في تآكل القاعدة الصناعية للاقتصاد الأمريكي. كما أدت التدفقات الرأسمالية الضخمة الوافدة إلى تفاقم ظاهرة التغوّل المالي في الاقتصاد الأمريكي، مما عمّق هوة التفاوت الاجتماعي في الولايات المتحدة، وزاد من وطأة الصعوبات على الطبقتين الوسطى والدنيا. وكان ذلك مقدمة لصعود التيارات الشعبوية ووصول ترامب.

خلال أسابيعه الأولى في السلطة، تحرك ترامب وفريقه بوتيرة مذهلة لنسف كل ما يتعلق بالنظام القديم، مع الإيحاء بقدرتهم على الحفاظ على استقرار الدولار وسوق سندات الخزانة الأمريكية. وقد عمد ترامب بهدوء إلى تصعيد الرسوم الجمركية بحدة ضد الصين، في خطوة تبدو وكأنها تهدف إلى فك الارتباط الكامل بين الاقتصادين على المدى الطويل. كما لوّح ترامب بفرض رسوم حتى على أقرب جيرانه، كندا والمكسيك، في مسعى قد يهدف إلى تشجيع المزيد من الاستثمارات للتوجه نحو الولايات المتحدة، تحت مبدأ “الترغيب والترهيب”، بدلاً من استدامة هذه الرسوم المرتفعة. وتجدر الإشارة إلى إعلان شركة “آبل” عن استثمار بقيمة 500 مليار دولار في الولايات المتحدة (تعتبر آبل المحرك الأكبر للعجز التجاري الأمريكي مع الصين) وإعلان هونداعن بناء مصنع جديد في الولايات المتحدة بدلاً من المكسيك. ومن المرجح وجود بعد جيوسياسي لهذا التوجه، حيث قد تطلب الولايات المتحدة من كندا والمكسيك تبني حواجز تجارية مماثلة مناهضة للصين، وإلا ستواجهان الرسوم الأمريكية. كما أن الاتحاد الأوروبي يقع ضمن دائرة الاستهداف الأمريكي لرسوم محتملة بسبب هياكل ضريبة القيمة المضافة الأوروبية التي تمنح أفضلية للسلع الأوروبية داخل أوروبا على حساب المنتجات الأمريكية.

وبعيداً عن رسوم ترامب الجمركية على السلع المصنعة، يتركز القدر الأكبر من التكهنات حول احتمالية التوصل إلى “اتفاق مار-آ-لاغو”، وهو صيغة ما من التفاهم بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين الرئيسيين تحدد كيفية دفع هؤلاء مقابل امتياز الولوج إلى منظومة الدولار وتكوين احتياطيات منه. من شأن ذلك أن يساهم في إضعاف الدولار، مما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات الأمريكية عالمياً، ويساعد الولايات المتحدة في إعادة هيكلة ديونها السيادية. وقد وصفت جيليان تيت من “فاينانشيال تايمز” الأمر بالقول: “قد تكون الرسوم الجمركية على السلع مجرد تمهيد لفرض رسوم على الأموال”. إننا نتحدث عن ترتيبات تضاهي في حجمها اتفاقية “بريتون وودز” في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. فهل تنجح الولايات المتحدة في فرض إرادتها، استناداً إلى الأهمية الحيوية لوصول الشركاء التجاريين إلى المستهلك الأمريكي والدولار، لدرجة استعدادهم لدفع ثمن باهظ؟ أم أن المحاولة ستبوء بالفشل الذريع، وتؤدي إلى اضطرابات هائلة في الأسواق؟ بالفعل، بدأ أسلوب ترامب يتسبب في تآكل سريع للقوة الناعمة الأمريكية عالمياً، مما يهدد مجمل أجندته خارج أمريكا الشمالية على أقل تقدير.

إنها، في مجملها، مقامرة عالية المخاطر بكل ما للكلمة من معنى. وخلال الربع القادم، سيتضح لنا بشكل أفضل ما إذا كانت إدارة ماسك لوزارة الكفاءة الحكومية قادرة على إحداث خفض ملموس في الإنفاق المالي، بينما يبدو تباطؤ النمو، بل وحتى الركود، مرجحاً بحلول نهاية العام، وربما قبل ذلك بكثير، بفعل الكبح المالي (fiscal drag) والمستهلك الأمريكي المستنفَد. وتجدر الملاحظة أن أول مشروع قانون للإنفاق أقره الجمهوريون لتجنب إغلاق الحكومة لا يوحي برغبة في تبني تخفيضات قاسية في الميزانية!

الخلاصة: تمثل الدورة السياسية في الولايات المتحدة منظوراً حاسماً لفهم المشهد، ويبدو أن إدارة ترامب تهدف إلى تعجيل وتكثيف الألم الاقتصادي والاضطراب لإلقاء تبعاته على إدارة بايدن. ويكمن الأمل في أن تؤدي إجراءات رفع القيود التنظيمية (deregulation) الواسعة، والتخفيضات الضريبية، وتدفق الاستثمارات بفعل التهديد بالرسوم، إلى تعافي الاقتصاد بحلول انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026. ومن المرجح أن يظل الدولار تحت ضغط كبير هذا العام، ليس فقط بسبب الأداء الاقتصادي والضغوط المالية في الولايات المتحدة، ولكن أيضاً نتيجة لإعادة موازنة المحافظ الاستثمارية عالمياً للحد من تركزها المفرط في الأصول الأمريكية. ونتوقع مخاطر متزايدة لاستمرار ضعف أداء سوق الأسهم الأمريكية هذا العام، بل واحتمال الدخول في سوق هابطة (bear market) على مستوى المؤشرات الرئيسية، بعد أن شهدنا أعلى مستويات التركز في تاريخ السوق. ويشكل أي تراجع محتمل في الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي هذا العام عاملاً مفاجئاً قد يفاقم المخاطر السلبية.

أوروبا: تداعيات الانسحاب الأمريكي

شكل تراجع الولايات المتحدة في عهد ترامب عن التزاماتها الأمنية تجاه أوروبا صدمة قاسية، حتى وإن كانت المؤشرات واضحة منذ 5 نوفمبر. تبدو الولايات المتحدة مستعدة لتطبيع العلاقات مع روسيا، شريطة قبول الأخيرة اتفاق سلام بشروط مواتية لها إلى حد كبير. ويرى الكثيرون أن ذلك يأتي في محاولة لإبقاء روسيا موجهة غرباً وتجنب تحولها إلى “شريك تابع” للصين، فيما يوصف بـ “انعكاس خطوة نيكسون” (عندما تقارب نيكسون مع الصين في السبعينيات لشق الصف بينها وبين الاتحاد السوفيتي). حتى وضع حلف الناتو نفسه يبدو مهدداً، في ظل طرح ترامب لفكرة ضم غرينلاند، بل والانسحاب من الحلف إذا لم يلتزم الأعضاء بزيادة إنفاقهم العسكري.

أثار هذا القلق خلال الأسابيع الأولى لإدارة ترامب رد فعل أوروبي سريع. أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تمسك الاتحاد الأوروبي بطموحه ليكون “نصيراً للحرية والديمقراطية والنظام القائم على القواعد”. وفي رد فعل أكثر مباشرة على الموقف الأمريكي المتغير تجاه روسيا وأوكرانيا، شهدت قمة أوروبية بحضور المملكة المتحدة في أوائل مارس، نقاشات حول حاجة أوروبا لترتيبات أمنية جديدة لا تفترض مسبقاً استعداد الولايات المتحدة للدفاع عنها.

والأمر اللافت للنظر هو أن المستشار الألماني المرتقب، فريدريش ميرتس، يُحدث تحولاً مفاجئاً في نهج ألمانيا المالي، متخلياً عن سياسة الانضباط المالي التي دامت لعقود. فهو يتفاوض حالياً على إنشاء صندوق ضخم للبنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو (ما يتجاوز 11% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لعام 2024)، ويسعى للالتفاف على قيود “كابح الديون” الدستورية المتعلقة بالإنفاق بالعجز، طالما أن هذا الإنفاق يوجه للدفاع. بل إنه دعا الاتحاد الأوروبي لرفع سقف طموحاته في المبادرات الدفاعية، بعد اقتراح الاتحاد خطة إعادة تسليح بقيمة 150 مليار يورو. وقد سجلت عائدات السندات الأوروبية ارتفاعاً ملحوظاً، ليس فقط بسبب حجم الاستثمارات المرتقبة، بل أيضاً اعترافاً بأهمية هذا التحول في الموقف الألماني.

وسعياً لتمويل أولويات الاستثمار الجديدة، قد تلجأ دول الاتحاد الأوروبي مستقبلاً إلى تحفيز، أو حتى إلزام، صناديق التقاعد الضخمة لديها بتوجيه نسبة أكبر من أصولها نحو الأدوات المالية الأوروبية (ديوناً وأسهم)، مما يدعم قوة اليورو ويحافظ على استقرار نسبي في أسعار الفائدة طويلة الأجل، وإن بقيت عند مستويات مرتفعة نوعاً ما. وينطوي هذا على تداعيات هائلة.

الخلاصة: يبدو أن التوسع المالي الهائل المرتقب، مقترناً بالعوامل التي نرى أنها تضعف الدولار، مهيأ لدفع زوج اليورو/الدولار نحو مستويات 1.1500 وحتى 1.2000 هذا العام. وقد نشهد عودة زوج اليورو/الجنيه الإسترليني إلى نطاق 0.8600-0.8800 هذا العام أيضاً، مع احتمال بلوغ زوج اليورو/الفرنك السويسري (EUR/CHF) مستوى التعادل أو تجاوزه. ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الفائدة الأوروبية طويلة الأجل، بينما سيحافظ البنك المركزي الأوروبي على سياسة نقدية تيسيرية نسبياً، نظراً لأن مخاطر الانفلات التضخمي قد تكون محدودة، في ظل التحديات التي تواجه القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة، ومع تحول أولويات الاستثمار نحو متطلبات الأمن القومي. ومن المتوقع أن تتفوق الأسهم الأوروبية في أدائها، مع احتمال أن تكون تقييمات الأصول المرتبطة بالدفاع والعديد من قطاعات البنية التحتية مرتفعة على المدى القصير، وإن كان ذلك مبرراً على المدى الطويل.

الصين: نمط جديد من التحفيز

اختتمت الصين اجتماعاتها السنوية المعروفة بـ “الدورتين” (two sessions) في أوائل مارس، حيث أقرت أولويات سياسية جديدة تركز على تحفيز الاستهلاك المحلي. وتعد هذه المرة الأولى التي يُشار فيها صراحةً إلى النمو عبر زيادة الاستهلاك الخاص كأولوية سياسية منذ وصول شي جين بينغ إلى السلطة عام 2012. ويمثل هذا التوجه الجديد إقراراً ضرورياً بحقيقة أنه لم يعد ممكناً تحقيق نمو كبير من خلال زيادة الفوائض التجارية الصينية القياسية مع بقية العالم. وينطبق هذا بشكل خاص في ظل تحرك الولايات المتحدة نحو إعادة بناء قاعدتها الصناعية وتشجيع الاستثمارات لجذب جزء من القدرات الصناعية التي استحوذت عليها الصين منذ تخفيض قيمة عملتها عام 1994 وانضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001.

الخلاصة: قد يكون رد فعل الصين إزاء ما يمكن وصفه بـ “فوضى السياسات الأمريكية غير المجدية” هو التريث وانتهاج سياسة الاستقرار والاتساق، ومراقبة ما إذا كانت المقامرة السياسية الأمريكية الخطيرة ستحقق نجاحاً أم ستفشل، قبل أن تتدخل بمبادرات سياسية أكثر حسماً على الساحة الدولية. ويظل التساؤل الرئيسي هو ما إذا كانت الصين ستسمح لعملتها بالارتفاع بشكل أكبر مقابل الدولار، تماشياً مع حركة العملات الرئيسية الأخرى، كوسيلة لتعزيز قوتها الشرائية المحلية في إطار سعيها لتحفيز الاستهلاك. وفي هذا السياق، هل يتجه زوج الدولار/اليوان الصيني في الأسواق الخارجية نحو مستوى 7.00 أو أقل هذا العام؟

عن آمنة البوعناني

Check Also

إضافة الشعار الملكي للملك تشارلز الثالث إلى شعار أستون مارتن

دبي 2 ابريل 2025 أعلنت أستون مارتن عن حصولها على التفويض الملكي من ملك بريطانيا …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *